السيد عباس علي الموسوي
61
شرح نهج البلاغة
أكبر كمية ممكنة مما تطالها أيديهم حتى إذا انصرفوا ، انصرفوا ومعهم وفر كثير ، وكأنهم لم ينظروا إلى من تقدمهم من الولاة ولم يعتبروا بما حلّ فيهم . . . ( ثم انظر في حال كتابك ، فول على أمورك خيرهم ، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة ، فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ ، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك ، وإصدار جواباتها على الصواب عنك ، فيما يأخذ لك ويعطي منك ، ولا يضعف عقدا اعتقده لك ، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك . ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور ، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل ) الطبقة الخامسة هي طبقة الكتاب وقد كان لهم دور بارز ومهمة كبرى لدى الملوك والأمراء وقد ذكر كثير من المتقدمين مواصفات متعددة للكاتب . والإمام هنا يشير إلى أن الكاتب يجب أن يكون من خيرة الناس وبالأخص ذلك الكاتب الذي يطلع على المكائد الحربية والأسرار الإسلامية فإن مثل هذا الإنسان يجب أن تجتمع فيه مكارم الأخلاق ووجوهها الصالحة بأن يكون ممن لا تطغيه الكرامة التي حبوته بها فإن طغيانه يسبب جرأته عليك فيقوم لك أمام الناس بالنقد والتشهير وهذا يسبب سقوط هيبتك من قلوب الناس وكذلك يجب أن لا يكون من الذين تأخذهم الغفلة فإن ذلك يؤدي إلى عدم وقوفك على ما عند عمالك من الحسنات والأعمال وما لديهم من الأقوال والاقتراحات كما أن أو امرك ووصاياك لا تصل إليهم بشكل مأمون وصادق فيشكل هذا النوع من الغفلة ضررا كبيرا على مسيرة الدولة التي تتولى شؤونها وتقوم بإدارتها . . . كما أن هذا الكاتب يجب أن يكون حاذقا لبقا بحيث لو عقد لك عقدا لكان مستحكما قويا لا يحل كما أنه لو عقد عليك عقد يستطيع أن يحله ويخرج منه بما لديه من قدرة وتسلط على حل العقود . . . ويجب أن يكون الكاتب عالما بقدر نفسه فيضعها موضعها ولا يجوز أن يكون الجاهل بنفسه أهلا لهذه المرتبة فإنه إذا كان جاهلا بنفسه فهو بقدر غيره أجهل . . . ( ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك ، فإن الرجال يتعرضون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم ، وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء . ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك ، فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثرا ، وأعرفهم بالأمانة وجها ، فإن ذلك دليل على نصيحتك للهّ ولمن وليت أمره . واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منهم ، لا يقهره كبيرها ، ولا يتشتت عليه كثيرها ، ومهما